الأسود يليق بكِ

“أحلام مستغانمي”

 

لا أفقر من امرأة لا ذكريات لها

 

كبيانو أنيق مغلق على موسيقاه ، منغلق على سرّه لن يعترف حتى لنفسه بأنه خسرها . سيدعي أنّها من خسرته ، و أنه من أراد لهما فراقاً قاطعاً كضربة سيف . فهو يفضل على حضورها العابر غياباً طويلاً ، و على المُتع الصغيرة ألماً كبيراً و على الانقطاع المتكرّر قطيعة حاسمة .

لشدة رغبته فيها ، قرّر قتلها كي يستعيد نفسه ، و إذا به يموت معها . فسيف الساموراي ، من قوانينه إقتسام الضربة القاتلة بين السيّاف و القتيل .

كما يأكل القط صغاره ، و تأكل الثورة أبناءها ، يأكل الحب عشاقه ، يلتهمهم و هم جالسون إلى مائدته العامرة .فما أولَمَ لهم إلا ليفترسهم.

لسنوات ، يظل العشاق حائرين في أسباب الفراق ، يتساءلون : من يا ترى دسّ لهم السّم في تفاحة الحب ، لحظة سعادتهم القصوى ؟ لا أحد يشتبه في الحب ، أو يتوقع نوايه الإجرامية . ذلك أن الحب سلطان فوق الشبهات ، لولا انه يغار من عشاقه.

لذا ، يظل العشاق في خطر ، كلما زايدواعلى الحب حباً.

كان عليه إذن أن يحبها أقّل ، لكنه يحلو له ان ينازل الحب و يهزمه إغداقاً، هو لا يعرف للحب مذهباً خارج التطرف .

رافعاً سقف قصّته إلى حدود الأساطير ، و حينها يضحك الحب منه كثيراً ، و يُرديه قتيلاً . مضرجا بأوهامه.

إنّها إحدى المرّات القليلة التي تمنى فيها لو استطاع البكاء …لكن رجلا باذخ الألم لا يبكي . لفرط غيرته على دموعه ، اعتاد الاحتفاظ بها و هكذا غدا كائناً بحرياً ، من ملح و ..مال .

هل يبكي البحر لأن السمكة تمردّت عليه ؟ كيف يتسنى لها الهروب و ليس خارج البحر من حياة للأسماك ؟

قالت له يوما : (( لا أثق برجل لا يبكي ))

اكتفى بابتسامة .

لم يبح لها بأنه لا يثق بأحد . سلطة المال ، كما سلطة الحكم ، لا تعرف الأمان العاطفي . يحتاج صاحبها ان يُفلس ليختبر قلوب من حوله . أن تنقلب عليه الأيّام ، ليستقيم حكمه على الناس . لذا لا يعرف يوماً إن كانت قد أحبته حقا لنفسه.

ذلك أن الأيام لم تنقلب عليه ، بل زادته منذ افترقا ثراء ، كما لتعوضه عن خسارته العاطفية بمكاسب مادية .

هو يرتاب في كرمها ، يرى في إغداقها عليه مزيداً من الكيد له ، أوليست الحياة أنثى في كل ما تعطيك تسلبك ما هو أغلى ؟

يبقى الأصعب ، أن تعرف ما هو الأغلى بالنسبة إليك ، و أن تتوقع أن تغير الأشياء مع العمر ثمنها …هبوطا أو صعوداً.

عزاؤه أنّها لا تسمع لحزنه صوتاً ، وحده البحر يسمع أنين الحيتان في المُحيطات ، لذا لن تدري أبدًا حجم خسارته بفقدانها ، هل أكثر فقراً من ثريٍ فاقد الحب ؟

قال لها يوماً بنبرة مازحة حقيقة أخرى : (( تدرين …لا أفقر من امرأة لا ذكريات لها )) لم تبدُ قد أستوعبت قوله ، أضاف (( كانت النساء قبل أن توجد المصارف ، تخبئن ما جمعن على مدى العمر من نقودٍ و مصاغٍ في الوسادة التي ينمن عليها .تحسباً لأيام العوز و الشيخوخة . لكن أثرى النساء ليست التي تنام مُتوسدة ممتلكاتها ، بل مَن تتوسد ذكرياتها )).

 

Advertisements

4 thoughts on “الأسود يليق بكِ

  1. لا تكون الذكريات دائما ثراء…
    فعندما تكون ذكرياتها ..هي ذكريات لانسان مخادع..
    الحب في مفهومه هو تسلية و لعب بالمشاعر…
    و الغدر يعتبره ..حكمة
    و الفراق في رأيه رجولة… و استبدال المحبوبة لديه أسهل من قلب صفحة في كتاب…
    فعندها ستتمنى أن تكون هي أشد الناس فقرا في الذكريات……..
    بل ستتمنى أن تكون ذاكرتها بيضاء كذاكرة طفل……..

  2. الذكريات هي أشبه ماتكون بالتاريخ ….!

    هل سمعت عن عهداً مضى بدون تاريخ ..؟

    هي الذكريات ……………. بحلوها ومُرّها … عبقٌ يفوح شذاها كلما قلبنا الأوراق للخلف …!

  3. كان عهده بعنوان ” المكر و الخداع “….
    هل سمعتم أن للمكر و الخداع ..عبق وشذى…؟؟؟

    • ثمة شقاء مخيف ، يكبر كلما ازداد وعينا
      بأن ما من أحد يستحق سخاءنا العاطفي ،
      و لا أحد أهل لأن نهدي له جنوننا.

      (الأسود يليق بك)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s